الدرويش: ضيعنا ثلاثين سنة في تجربة تعريب لم تكتملالقانون الإطار للتربية لا يرتبط فقط بلغة التدريس

أجرت جريدة المساء في عددها 3877 بتاريخ 30 أبريل 2019 حوارا مع الأستاذ محمد الدرويش، رئيس المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين، والفاعل السياسي والجامعي والجمعوي. ونظرا لأهميته ننشره ضمن موقعنا.

حاوره: أ.أ

  • كيف تتابعون في المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين النقاش الدائر اليوم حول القانون الإطار للتربية والتكوين؟
    • نتابع كما يتابع الرأي العام الوطني باستغراب المسار غير المتوقع للنقاش الدائر حول موضوع مشروع القانون الإطار، والذي اتخذ منحى غير طبيعي من قبل بعض الفرقاء، إذ من غير المقبول ولا المعقول أن يكون طرفه من المعنيين بالمصادقة على هذا المشروع أحد الفاعلين الأساسيين في دورات المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي سواء في المكتب المديري، أو في الجلسات العامة، ثم إن النقاش انحاز عن مساره الطبيعي، فالكل يعرف أن هذا المشروع سيؤطر مستقبل المنظومة لسنوات وسيجعل الفاعلين مقيدين بمخرجاته ومقتضياته وهو مكون من قضايا عدة لا ترتبط فقط بلغة التدريس بل فيها قضايا المناهج والبرامج والمسارات والجسور والإمكانات البشرية والمادية والمالية وكذا المسؤوليات الموزعة بين الحكومة وأسرة التربية والتكوين والأسرة والمجالس المنتخبة ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الاقتصادية والمالية وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى تعبئة جماعية وانخراط مسؤول من قبل الجميع، لأن المنظومة مسؤولية مجتمعية وجماعية، أضف إلى ذلك أن ربط لغة التدريس بصفة ميكانيكية بضرب الهوية أمر لا يرقى إلى مستوى النقاش العلمي الرصين، لأن أمر الهوية مجموع عدة مكونات، منها اللغة، ولذلك لا يجوز خلط الأوراق في قضية مصيرية، ثم إننا بالإطلاع على الغلاف الزمني من الابتدائي إلى السنة الثانية باكالوريا نجد أن شعبة الآداب والعلوم الإنسانية، مثلا، يتم بها التلقين باللغة العربية مدة 2500 ساعة تقريبا في حين عدد ساعات اللغة الفرنسية 2000 ساعة تقريبا وأما اللغة الإنجليزية فيبلغ عدد ساعات التلقين بها 500 ساعة. وإذا انتقلنا إلى العلوم التجريبية نجد عدد ساعات اللغة العربية 2200 ساعة تقريبا واللغة الفرنسية 1940 ساعة تقريبا واللغة الإنجليزية 370 ساعة تقريبا. فأين هي هيمنة لغة غير رسمية على لغة رسمية، لا نريد أن ندخل في نقاش عقيم يسخر الاختيارات الشخصية لهذا أو ذاك فنحن في مجتمع ديمقراطي يقوم على مبدإ الحرية والاحترام في حياتنا الفردية والجماعية، فلكل منا اختياراته وقناعاته في الحياة، فنحن مجتمعون لأننا مختلفون لكن أن نسخر قضية وطنية تعد مفتاح التطور والتنمية بكل مستوياتها ومكوناتها وأنواعها من أجل أمر معلوم أو مجهول فهذا أمر يثير السؤال. فبعد ضياع ما يقارب الأربع سنوات من الرؤية الاستراتيجية، وسنة على مصادقة المجلس الوزاري على المشروع وإحالته على مجلس النواب، نظل نحمل الأمل في أن يعود النقاش إلى طبيعته وإطاره التشريعي والعلمي خدمة للوطن. وبالمناسبة نناشد كل الفرقاء تغليب المصلحة الفضلى للوطن والإسراع بالمصادقة على المشروع حتى يصدر في الجريدة الرسمية للبدء في تفعيل مقتضياته، فهو يرهن كل مبادرة لتصحيح الأوضاع في المنظومة، إذ لا يمكن أن تتم مراجعة القوانين والمراسيم والقرارات ذات الصلة قبل صدوره، نذكر مثلا القانون 0007 و0006 و0001 و0005 وكذا الأنظمة الأساسية لأطر التربية الوطنية وكذا التعليم العالي غيرها.
  • وما هو رأيكم في هذا الخلاف اللغوي، والذي فرق مكونات الأغلبية الحكومية بين المدافعين عن العربية والمتحمسين لإعمال الفرنسية لغة للتدريس؟
    • اسمح لي أن أؤكد لك أن اللغة وسيلة للتواصل ولها وظائف أخرى يعرفها اللغويون. ومن منطلق أننا أمة عربية كان من المفروض أن يكون كل شيء باللغة العربية في الإدارة والأسرة والشارع وعالم المال والاقتصاد والمعاملات وغيرها. وقد ضيعنا مدة ثلاثين سنة في تجربة تعريب لم تكتمل، وحصلنا على ضحايا كثر من خريجي المنظومة. وبألم أقول إن واقعنا اللغوي مؤلم. فأغلب طلابنا لا يتقنون لا العربية ولا الفرنسية ولا الإنجليزية، ولا الدوارج حتى، ولنا أن نسأل كل أستاذ باحث بمختلف المؤسسات، فقدرات أغلب تلامذتنا وطلابنا التواصلية ضعيفة ولنقارن كيف يعبر الآخرون في الدول العربية والغربية، وكيف نعبر نحن، وخير دليل لغات التعبير في مجموعة من المجالات ويبدو لنا أن الأمر مرتبط أساسا بمرحلة الطفولة المبكرة، أي مرحلة حياة الطفل قبيل الولادة وبعدها بسنتين أو ثلاث ومرحلة التعليم الأولي التي يجب أن تشكل لحظات بناء شخصية ومقومات المواطن المتمكن من أدوات التعبير والتواصل والمحب للحياة والمقبل عليها والمرتبط بقضايا الوطن، أما غير ذلك فسنكون أمام ضياع للزمن وللموارد.

فلو كانت لنا الإمكانات البشرية من أساتذة اللغة الانجليزية لقلنا إن اللغة التي يتوجب التدريس بها إضافة إلى اللغة العربية، هي الإنجليزية نظرا لمكانتها اليوم في عالم المعرفة والأعمال، وذلك بشهادة أغلب دول العالم. وهذا ليس انتقاصا من هاته اللغة أو تلك، ففي زمن ما كانت اللغة العربية لغة العلوم، وكانت اللغة الفرنسية لغة مسرح وكانت اللغة الإنجليزية لشيء آخر. هذه طبيعة دوران الزمان. وجوابا على سؤالك نقول يجب تقوية اللغتين الرسميتين تفعيلا لمقتضيات الدستور، مع تعزيز الدراسة والبحث باللغات الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والصينية حتى تتيح مقتضيات اللامركزية واللاتمكز بشيء من المرونة جواز التعدد اللغوي قلب جهات المملكة حسب خصوصيات كل جهة من الجهات مع الحفاظ وتحصين ما يجمع المغاربة منذ قرون من دين ولغات وثقافة وغيرها.

  • انتصب المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين وسيطا بين الوزارة والأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد. حدثنا عن هذا المسار من بدايته إلى نهايته؟
    • انطلاقا من المبادئ التي أسس عليها المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين. وانسجاما مع قناعات مؤسسيه ومواكبة لكل قضايا المنظومة في كل مستوياتها وبكل مكوناتها وتأسيسا لعلاقات من نوع خاص بين هذا النوع من التنظيمات المدنية وأسرة التربية والتكوين والقطاعات الحكومية وغيرها، قررنا خلق جسور تواصل مباشر مع هؤلاء الأساتذة ومع السيد وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، ومع مسؤولين وتنظيمات اجتماعية وسياسية ومدنية. علما أننا كنا قد قلنا قبل ذلك بثلاث سنوات تقريبا إن الطريقة التي تم بها التعاقد خاطئة تجعل منه قنبلة مؤجلة الانفجار. وهذا ما تم بالفعل في بداية سنة 2018 كما تتبع الرأي العام منذ تصريحنا الأول ونحن نتابع هاته القضية وقضايا أخرى بطبيعة الحال حتى دخل الأساتذة في إضراب واحتجاجات غير مسبوقين، الشيء الذي عجل بتدخلنا وسيطا بينهم وبين المعنيين بالملف، وقد عقدنا عدة اجتماعات وجلسات استماع كان الغرض منها أولا خلق الثقة بينهم وبين المرصد ثم انتقلنا إلى مرحلة تقريب وجهات النظر وتذويب جليد الخلافات والنتائج السلبية لعدم الإنصات والاستماع. وانتهى كل ذلك إلى عقد اجتماع بين الوزارة والأساتذة بحضور المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين والنقابات التعليمية، وقد ترأس الاجتماع السيد الكاتب العام للوزارة الأستاذ يوسف بلقاسمي بأمر من السيد وزير التربية الوطنية الدكتور سعيد امزازي وكان اجتماعا ناجحا بكل المقاييس بشهادة كل الحاضرين.
  • لكن ماذا وقع من بعد؟ لماذا سيرفض أساتذة التعاقد ما تم الاتفاق عليه بحضور ممثلين عن تنسيقتهم؟
    • ماذا حصل يثير السؤال والقلق، فقد لمسنا وجود بعض أصحاب النيات السيئة في الطرفين، الشيء الذي أعاد الملف إلى نقطة الصفر ولم نفقد الأمل لأني أعيش به، وأعمل بقول المرحوم محمود درويش ” علي أن اخترع الأمل ولو كنت محبطا”. ونحن لم نصل بعد إلى مرحلة الإحباط. لذلك أعدنا الاتصال والتواصل والسؤال ومحاولة إيجاد الجواب، وانتهينا إلى اتفاق يعيد الحياة الطبيعية للمدرسة المغربية ويعود الأساتذة إلى أقسامهم وإلى تلاميذهم وإلى مقرات عملهم بعد أن كنا وجهنا عبر أثير إحدى القنوات التلفزية المغربية يوم الخميس الماضي مناشدة إليهم باسم الوطن، كما وجهنا طلبا إلى السيد الوزير بمباشرة الحوار الذي يعد المفتاح الأساس لكل نقط الخلاف والاختلاف. فنحن أساتذة ونساء ورجال تربية ولسنا شيئا آخر. والأستاذ تربية وعقل ومنطق ووطنية. هكذا تعلمنا على أيدي أساتذتنا ومعلمينا.

وبالمناسبة فإن المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين يعبر عن ارتياحه لما بلغناه، وعن شكره لكل الأطراف، سواء منها المعنية أم المتعاونة أم المتدخلة أم التي كانت وسيطا في الظاهر والخفاء فالوطن فوق كل اعتبار والمواطنة الحقة حقوق وواجبات.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *